الاثنين، 24 أغسطس 2015

الإمام النووي



9 من ذي القعدة 1436 هـ     002
الإمام النووي




هو الإمام الشيخ أبو زكريا محي الدين يحيى بن شرف النووي ...
ولد في قرية "نوى" وهي قرية من قرى "حَوْران" في جنوب سوريا في شهر محرم عام 631هـ/1233م، ولما بلغ عشر سنين كان يعمل مع أبيه في دكان كانوا يتعايشون منه، ولكنه لم ينشغل بالبيع والشراء عن تعلم القرآن الكريم وحفظه حتى ختمه وحفظه عن ظهر قلب، ومكث في بلده "نوى" حتى بلغ الثامنة عشرة من عمره ثم ارتحل مع والده إلى دمشق عام 649ه لاستكمال تحصيله العلمي.

كان رحمه الله مشهوداً له بالصلاح منذ طفولته، ونشأ منذ صغره نشأة العلماء الكرام، وقصد الجامع الأموي في دمشق ليلتقي بكبار العلماء في ذلك الحين وتعلم على يد إمام الجامع الأموي "الشيخ جمال الدين عبد الكافي الرَّبعي الدمشقي"، وقد كانت لديه الجدية في طلب العلم والتحصيل من أول نشأته وفي شبابه، فكان لا يضيع وقتًا في ليل أو نهار إلا في الاشتغال بالعلم، وبقي على التحصيل نحو ست سنين ينشغل بالتكرار والمطالعة حتى اشتغل بالتصنيف والمناصحة للمسلمين والعمل بدقائق الفقه والإجتهاد، وأصبح مدققًا حافظًا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، عارفًا بأنواعه كلها مُحَقِّقًا في علمه وفنونه من صحيحه وسقيمه وغريب ألفاظه وصحيح معانيه واستنباط فقهه، وصرف وقته كلها في أنواع العلم والعمل سواء "التصنيف، أو التعليم، أو الصلاة والعبادة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".

كان الإمام النووي "فقيهًا"، يقول عنه تلميذه ابن العطار: "كان حافظًا للمذهب الشافعي وقواعده وأصوله وفروعه، ومذاهب الصحابة والتابعين، واختلاف العلماء ووفاقهم وإجماعهم، وما اشتهر من ذلك جميعه وما هجر، سالكًا في كلها طريقة السلف"، وكان "محدثًا" حيث امتاز بأنه فقيه الأمة، حيث اجتمع في علمه تبحره في الفقه وإتقان لعلوم الحديث وفقه الحديث، وكان "عالمــًا باللغة" من إتقان لنحوها وصرفها واشتقاقها ومعاني مفرداتها، وهذا ما كان يراه الإمام ويحث عليه.
حاول الإشتغال بالطب إلا أنَّ تجربته لم تنجح، يقول الإمام النووي: "خطر لي الاشتغال بعلم الطب، فاشتريت القانون (لابن سينا) وعزمت على الاشتغال فيه، فأظلم عليَّ قلبي، وبقيت أيَّامًا لا أقدر على الإشتغال بشيء، ففكرت في أمري: من أين دخل عليَّ الداخل، فألهمني الله أن اشتغالي بالطب سببه، فبعت في الحال الكتاب المذكور، وأخرجت من بيتي كل ما يتعلق بعلم الطب فاستنار قلبي ورجع إلى حالي، وعدت لما كنت عليه أولاً".

باشر الإمام النووي التدريس في "المدرسة الإقبالية"، وكان نائبًا في "مدرستي الفلكية والركنية"، وعمل واقفــًا على "دار الحديث الأشرفية" أشهر دار لعلم الحديث في بلاد الشام في الفترة 665ه- 676ه، والمتعارف عليه ألا يلي مشيختها إلا عظيم وقته بالعلم وخصوصـًا علمَ الحديث، ومن لُقب "بشيخ دار الحديث" فقد نال في العلم أجلَّ الألقاب.

كان رحمه الله إمامــًا عالمــًا عابدًا زاهدًا تقيــًا، حريصــًا كل الحرص على وقته الذي كرسه في الإشتغال بالعلم، وقد ثبت عنه أنه كان صائم الدهر قائم الليل لا يضيع له وقت إلا في الاشتغال بعلم أو عبادة، وقال عنه الإمام الذهبي: "كان أسمر كث اللحية، قليل الضحك عديم اللعب بل جدًّا صرفــًا، يقول الحق وإن كان مُراً لا يخاف في الله لومة لائم" وقال أيضــًا: "وضُرب به المثل في إكبابه على طلب العلم ليلاً ونهاراً، وهجره النوم إلا عن غلبة، وضبط أوقاته بلزوم الدرس أو الكتابة أو المطالعة أو التردد على الشيوخ"، وذكر قطب الدين اليونيني: "أنه كان لا يضيع له وقت في ليل ولا نهار إلا في وظيفة من الاشتغال بالعلم، حتى إنه في ذهابه في الطريق وإيابه يشتغل في تكرار محفوظة أو مطالعة" وقال عنه أيضــًا: "والذي أظهره وقدمه على أقرانه، ومن هو أفقه منه كثرة زهده في الدُّنيا، وعظم ديانته وورعه".

له كتب عظيمة متميزة في شروح المعاني، ومن أشهر ما صنف: المنهاج في شرح صحيح مسلم – رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين – كتاب الأربعين النووية – كتاب بستان العارفين (رقائق) – التبيان من آداب حملة القرآن.

ذكرت المصادر التي ترجمت للإمام النووي أنه حج بيت الله الحرام وزار قبر نبيه صلى الله عليه وسلم مرتين، فأما المرة الأولى فكانت عام 651ه، ولا يوجد قولاً صريحــًا عن حجته الثانية سوى ما قيل: "فلما توفي شيخه ازداد اشتغاله بالعلم والعمل وحج مرة أخرى"، وذكر ابن العطار رحمه الله: "أنَّ الإمام النووي سافر إلى بيت المقدس قبل وفاته بشهرين، وزار القدس والخليل عليه السلام ثم عاد إلى نوى".
توفاه الله تعالى في 24 من رجب عام 676ه/1277م بعد أن رجع إلى نَوى وردَّ الكتب المستعارة من الأوقاف، وزار مقبرة شيوخه فدعا لهم وبكى ومرض بها.
 
رحمه الله رحمةً واسعة وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق